الشيخ محمد رشيد رضا
358
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قد علم مما تقدم أن كل ترجمة حاولها الترك قاصرة عن أداء معاني القرآن الظاهرة التي يفهمها كل قارئ يسهل التعبير عنها بكل لغة ، دع ما أشرنا اليه من المعاني الدقيقة ، والأوصاف الممتازة في البلاغة ، وأسماء اللّه تعالى وصفاته وعالم الغيب ، والتعبير عنها بالمفردات والجمل والأساليب الخاصة باللغة العربية دون لغات العجم ولا سيما التركية الفقيرة ، وهذا يفتح أبوابا واسعة للشبهات والمطاعن فيه ويسد أبوابا واسعة لضروب من التفسير والتأويل الدافعة لها ، وضروب من المعارف هي من أعظم الآيات البينات له . وقد علمنا أن الترك حظروا تعليم اللغة العربية وفنونها والعلوم الشرعية في بلادهم . فعلى هذا لا يجد قارئ ترجمتهم التركية للقرآن في الأجيال الآتية مرجعا لتفسير هذه الترجمة إذا هو استشكل أو طعن له أحد في شئ منها وأضرب لذلك من المثل قوله تعالى ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) الذي سأل عنه مصطفى كمال باشا بعض علمائهم فأجابه بأن الجواب لا يمكن بيانه في أقل من نصف ساعة ، فهزأ به الباشا ، وأراد أن يجعله مثلا في الجهل ، وهو أجدر بهذا الوصف في هذا المقام لتوهمه أنه يكفي في الجواب أن يذكر له مرادف التين بالتركية وهو « إنجير » وذلك العالم يعذر إذا اعتقد أن هذا الرجل الكبير في مقامه وفي معارفه العسكرية لا يعقل أن يسأل عن تفسير بعض المفردات العربية بما يقابلها في التركية . واعتقد أنه انما يريد بالسؤال معنى إقسام اللّه تعالى ببعض الشجر والبقاع والبلاد وحكمته ، كما إذا سأل هذا الفقيه من الباشا عما يسميه رجال الحرب « حط الرجعة » مثلا فإنه لا يمكن أن يريد بذلك تفسير كلمة خط وكلمة الرجعة لغة ولعل ذلك العالم كان يعتقد أن الباشا لم يسأل هذا السؤال الا وهو منكر لورود القسم بالتين والزيتون كما يؤخذ من كلام له كثر نقله عنه ، وهو احتقار التعاليم والنظم التي وضعت في صدر الاسلام ، وزعمه أنها وضعت لقوم منحطين في الحضارة والفنون ، فلا يليق اتباعها في هذا العصر الذي ارتقت فيه الصناعات والفنون والمعارف المادية ، واستباح المترفون فيه الرذائل باسم المدنية ، فأراد أن يزيل فكره هذه الشبهات الجهلية ، ويبين له معنى صيغة القسم عند العرب وهو تأكيد الكلام ، وحكمة ما في القرآن من الاقسام بالمخلوقات ، كالتذكير بما فيها من الآيات ، ومناسبة